الأربعاء، 27 أغسطس، 2014

صومعة

ليست نصًا أدبيًا، مجرد فضفضة مبعثرة.
......
الضيق يجتاحني، قدرتي على التحمل غدت ضئيلة جدًا. لست أستطيع البقاء على هذا الوضع مزيدًا من الوقت.
التاسع عشر من شهر يوليو، الثانية صباحًا، الجامع.تجربة جديدة، كنت قد بيتت النيّة سلفًا، أخذت حمامًا بعد أن وضبت ما سآخذه في حقيبتي العزيزة ثم نزلت. صلاة التهجد كانت قد بدأت بالفعل. أدركتهم بعد انتهاء ركعتين. إنها ليلة الواحد والعشرين من شهر رمضان، فرديّة ! وقد وجب استغلالهن جميعًا .بعد انتهاء الصلاة ومغادرة الجميع لم يبق غيري أنا وأختي وصديقتها . انفردت كل منّا بزاوية في المصلى المثلث الشكل. المكيفات مفتوحة، أجهزة تصفية الهواء تعمل، الأضواء خافتة، الأصوات خامدة. وضعت مصحفي فوق الحامل أبيض اللون أمامي وشرعت في التلاوة. الجو كان خاشعًا بامتياز.
......
تلك الآية التي تشعر أنها تخترق كل الحواجز لتصيب قلبك مباشرة. الرسالة التي تطمنئك بأن مغفرة الله أعظم من ذنوبك. الرسالة التي تعطيك الثقة بأن عينك ما وقعت عليها صدفة بل لأنه، يحبك. الرسالة التي تردعك، وتشعرك أن أجلك قد دنا وزادك لن يبلغك. الرسالة التي ترشدك وكأنها تعرف تحديدًا ما يحصل لك، تخبرك بالتصرف المناسب بعد أن غلبت الحيرة أمرك، نعم هي خصيصًا لأجلك. الرسالة التي تخيّرك ، أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون. الرسالة التي تكشف لك مآلًا لا تحسد صاحبه عليه، وتهرب من أن تكون فيه. الوعد الربّاني الذي يذيبك شوقًا لللقاء، الرحمة الإلهيّة التي تضمّك لجناحها حتى تسكن روحك ويطمئن قلبك.مرارًا وتكرارًا، حتى تدمع عينك. ويبكي فؤادك. ويخشع كيانك.
......
كان المكان يروق لي ، شعرت لوهلة أنني في منزلي.متعتي كلها كانت في شعوري بأني روحي حرّة، تغادر الحواجز وتنطلق . تخيّلت في تلك اللحظة نفسي وأنا أتخذّ ركنًا في المسجد النبوي بالصورة نفسها. وعقدت العزم بعد المشيئة الإلهية.كنت عندما أغادر صومعتي المتمثلة في ركن المصلّى، أفعل ما أريد.أستغل فرصة صعود أختي ورفيقتها إلى الطابق العلويّ لأركض ذهابًا وإيابًا على سجاجيد المصلّى الحمراء. أرتب كراسي العجائز. أجمع قوارير المياه الفارغة لتصير إلى سلة المهملات. أرتب أزواج الأحذية في الخزانة البنيّة بجانب الباب، المخصصة لذلك الغرض. أشغّل القرآن الكريم بصوتٍ عالٍ وأدور في المكان. أتناول من العنب والكرز ما أشاء. كنت أشعر بأنني قد أصبحت غريبة بعض الشيء لكن ذلك كان مسليًا بالنسبة لي فلم أبالي. لو أتيحت لي الفرصة لفعلته مرارًا. طلبت من أختي أن تلتقط لي صورة وأنا في تلك الحالة النفسيّة العالية، طلبي ذاك كان ليسجّل في التاريخ فهو لا يحصل إلا استثناءًا.سخرنا جميعنا من الصور وعادت كل منا إلى مكانها. لم نكن ننوي أن نضيّع نفحات تلك الليلة. عقرب الدقائق السليم لا يعود للخلف أبدًا.لا أخفي سرًا أنني وجدت نافذتين تطلّان على مصلى الرجال، لطالما كانت رؤيته أمنيّة بالنسبة لي، أذان الفجر كان توقيتًا مناسبًا لأشبع فضولي، جلبت كرسيًا ووقفت فوقه لأراقب ما يحصل هناك، وأحيانًا ما كنت أخفي رأسي إذا التفت أحد منهم ظنًا مني بأنهم يرونني، رأيت المنبر الذي يقف عليه الإمام، عادة ما كنت أسمع صوته فقط، مثير للاهتمام. كنت أسر كلما شاهدت أشخاصًا يسارعون إلى الصف الأوّل بينما أحزن حين أذكر من يفوتونه. رأيت أخي ووالدي هناك وكان ذلك شيئًا جيدًا. لا أعلم فعلًا كيف يمكن لشاب عاقل تتاح له الصلاة في هذا المكان المرتّب وخلف هذا الإمام الطيّب ويفوتها، ماذا يفعل غيره إذن. هل يسلب الاعتياد الأشياء بريقها في عيونهم. لكنها الصلاة، توقيت لإعادة الروح للحياة!بعد الصلاة ألتفت لصديقة أختي وأجدها ملتحفة بالبطانية وقد شرعت في القراءة بصوت عالٍ حد التشويش.لا يهم.أعود إلى قراءتي.
......
الدفتر بين يداي . كنت أكتب .. إلى الله ! “اجعله يارب خطابًا يليق بجلالك وعظمتك” كتبت في السطر الأول. لكنني لم أستطع أن أكمل . تلك المشاعر التي تغمر قلبك . لا تستطيع التعبير عنها دائمًا ..عليّ أن أعرف الله . هكذا أخبرت نفسي مرات عديدة. كيف لي أن أعبده على جهل. كنت أسأله أن يرزقني نورًا من عنده ، يضيء لي دربًا في تلك العتمة والظلام البهيم . كلما تعرفت على الله أحببته أكثر ، وزاد شوقي إلى لقاءه. صفاته وأسماؤه كلها حسنة. أحبّها قلبي.الشرّ ليس إليه !ياربي أنت رحيم . رحمتك وسعت كل شيء . أنا شيء ، فلتسعني رحمتك ! كنت أعلم يقينًا أن لله صفات الكمال. أكرم مخلوق هنا، الله أكرم منه! أرحم مخلوق هنا، الله أرحم منه! .. كم نحن محظوظون ! اعتصمي بالله ، معيته وحدها ستؤنسك. (لاتحزن، إن الله معنا) .. (إن معيّ ربي، سيهدين).
......
حتى آتيك يوم القيامة بقلب سليم.
......
(أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِيوَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي
فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي
وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ
وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً
وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعاً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعاً
وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)
؛
(وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ
وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ
فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ
وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ
وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا
وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا
وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ
وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ)
؛
......
ليلة سوف أتمنى أن أكررها :)